فخر الدين الرازي

201

تفسير الرازي

* ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) * ( الشورى : 40 ) قال القاضي : وهذا أولى من الأول لأن قوله : * ( ان الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا ) * الإشارة فيه إلى كل واحد ، فكان حمله على التوسع الذي ذكرناه أولى . المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : الأكل لا يكون إلا في البطن فما فائدة قوله : * ( إنما يأكلون في بطونهم نارا ) * . وجوابه : أنه كقوله : * ( يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ) * ( آل عمران : 167 ) والقول لا يكون إلا بالفهم ، وقال : * ( ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) * ( الحج : 46 ) والقلب لا يكون إلا في الصدر ، وقال : * ( ولا طائر يطير بجناحيه ) * ( الأنعام : 38 ) والطيران لا يكون إلا بالجناح ، والغرض من كل ذلك التأكيد والمبالغة . المسألة الرابعة : انه تعالى وإن ذكر الأكل إلا أن المراد منه كل أنواع الاتلافات ، فان ضرر اليتيم لا يختلف بأن يكون إتلاف ماله بالأكل ، أو بطريق آخر ، وإنما ذكر الأكل وأراد به كل التصرفات المتلفة لوجوه : أحدها : أن عامة مال اليتيم في ذلك الوقت هو الأنعام التي يأكل لحومها ويشرب ألبانها . فخرج الكلام على عادتهم . وثانيها : أنه جرت العادة فيمن أنفق ماله في وجوه مراداته خيرا كانت أو شرا ، أنه يقال : إنه أكل ماله . وثالثها : أن الأكل هو المعظم فيما يبتغي من التصرفات . المسألة الخامسة : قالت المعتزلة : الآية دالة على وعيد كل من فعل هذا الفعل ، سواء كان مسلما أو لم يكن ؛ لأن قوله تعالى : * ( ان الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ) * عام يدخل فيه الكل فهذا يدل على القطع بالوعيد وقوله : * ( وسيصلون سعيرا ) * يوجب القطع على أنهم إذا ماتوا على غير توبة يصلون هذا السعير لا محالة ، والجواب عنه قد ذكرناه مستقصى في سورة البقرة ، ثم نقول : لم لا يجوز أن يكون هذا الوعيد مخصوصا بالكفار لقوله تعالى : * ( والكافرون هم الظالمون ) * ( البقرة : 254 ) ثم قالت المعتزلة : ولا يجوز أن يدخل تحت هذا الوعيد أكل اليسير من ماله لأن الوعيد مشروط بأن لا يكون معه توبة ولا طاعة أعظم من تلك المعصية ، وإذا كان كذلك ، فالذي يقطع على أنه من أهل الوعيد من تكون معصيته كبيرة ولا يكون معها توبة ، فلا جرم وجب أن يطلب قدر ما يكون كثيرا من أكل ماله ، فقال أبو علي الجبائي : قدره خمسة دراهم لأنه هو القدر الذي وقع الوعيد عليه في آية الكنز في منع الزكاة ، هذا جملة ما ذكره القاضي ، فيقال له : فأنت قد خالفت ظاهر هذا العموم من وجهين أحدهما : أنك زدت فيه شرط عدم التوبة . والثاني : أنك زدت فيه عدم كونه صغيرا ، وإذا جاز ذلك فلم لا يجوز لنا أن نزيد فيه شرط عدم العفو ؟ أقصى ما في الباب أن يقال : ما وجدنا دليلا يدل